محمد جمال الدين القاسمي
59
تفسير القاسمي ( محاسن التأويل )
القول في تأويل قوله تعالى : [ سورة البقرة ( 2 ) : آية 193 ] وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلاَّ عَلَى الظَّالِمِينَ ( 193 ) وَقاتِلُوهُمْ أي : هؤلاء الذين نسبناهم إلى قتالكم وإخراجكم وفتنكم حَتَّى لا تَكُونَ - أي : لا توجد في الحرم - فِتْنَةٌ أي : تقوّ بسببه يفتنون الناس عن دينهم ، ويمنعونهم من إظهاره والدعوة إليه وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ خالصا أي : لا يعبد دونه شيء في الحرم . ولا يخشى فيه غيره ، فلا يفتن أحد في دينه . ولا يؤذى لأجله . و في ( الصحيحين ) « 1 » عن ابن عمر : أنّ رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم قال : أمرت أن أقاتل الناس حتى يشهدوا أن لا إله إلّا اللّه وأنّ محمدا رسول اللّه ، ويقيموا الصلاة ، ويؤتوا الزكاة . فإذا فعلوا ذلك عصموا منيّ دماءهم وأموالهم إلّا بحق الإسلام ، وحسابهم على اللّه . فَإِنِ انْتَهَوْا عن قتالكم في الحرم فَلا عُدْوانَ فلا سبيل لكم بالقتل إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ المبتدئين بالقتل . وروى البخاريّ في ( صحيحه ) « 2 » عن نافع عن ابن عمر رضي اللّه عنهما : أتاه رجلان في فتنة ابن الزبير فقالا : إنّ الناس قد ضيّعوا ، وأنت ابن عمر وصاحب النبيّ صلّى اللّه عليه وسلّم ، فما يمنعك أن تخرج ؟ فقال : يمنعني أن اللّه حرم دم أخي . . ! قالا : ألم يقل اللّه وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ ؟ فقال : قاتلنا حتى لم تكن فتنة وكان الدين للّه ، وأنتم تريدون أن تقاتلوا حتى تكون فتنة ويكون الدين لغير اللّه . ثم ساق البخاريّ رواية أخرى وفيها : قال ابن عمر : فعلنا على عهد رسول اللّه صلّى اللّه عليه وسلّم وكان الرجل يفتن في دينه إمّا قتلوه وإمّا يعذبوه حتى كثر الإسلام فلم تكن فتنة .
--> ( 1 ) أخرجه البخاريّ في : الإيمان ، 17 - باب فَإِنْ تابُوا وَأَقامُوا الصَّلاةَ وَآتَوُا الزَّكاةَ فَخَلُّوا سَبِيلَهُمْ ، حديث 24 . ومسلم في : الإيمان ، حديث 36 . ( 2 ) أخرجه البخاريّ في : التفسير ، 2 - سورة البقرة ، 30 - باب وَقاتِلُوهُمْ حَتَّى لا تَكُونَ فِتْنَةٌ وَيَكُونَ الدِّينُ لِلَّهِ فَإِنِ انْتَهَوْا فَلا عُدْوانَ إِلَّا عَلَى الظَّالِمِينَ .